المكتبة الفقهية

الهندسة الوراثية وأثرها في الغذاء والدواءفي ميزان الشريعة الإسلامية

اسم المؤلف: 

د.خالد بن عبدالله السليمان

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم آمين ..

وبعد :

¬إن الحديث عن الغذاء والدواء من الأمور المهمة والمؤثرة في حياة الناس ، لأن الغذاء يتوقف عليه حياة الإنسان وكذلك الدواء ، والمسلم الحق هو الذي يعرض كل ما يتعلق بتصرفاته على ميزان الشريعة الإسلامية للتعرف على الحكم الشرعي لهذا التصرف وما يحل منه وما يحرم، فالمسلم حتى في حالة الجوع الشديد أو المرض الشديد يمحص ما يقدم إليه من غذاء أو دواء ليتعرف على حكم تناوله .

وقد ظهر في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري الموافق للمنتصف الثاني من القرن العشرين الميلادي علم يسمى بـ " الهندسة الوراثية " ، وهو يهدف إلى الكشف عن أسرار الخلية الحية ومحتوياتها، وذلك في عام 1953م ، حيث اكتشف العالمان " واطسون " و " فرنسيس كريك " : التركيب الجزئي لأصل المادة الوراثية ، التي يتكون منها جميع الكائنات الحية والمسماة بالحمض النووي دنا (DNA)( ).

وقد درس العلماء وظائف ( دنا ) هذه وأدخلوا عليها بعض التعديلات وذلك بهندستها في صور مختلفة ، وقد حقق العلماء نجاحات كبيرة بواسطة هذه الهندسة الوراثية في مجال الغذاء والدواء .

 

الخاتمة وفي النهاية أتوصل إلى حقيقة مهمة ، وهي أن الأبحاث الطبية خاصة في مجال الدواء واستعمال الهندسة الوراثية فيها حققت نجاحات كبيرة وواسعة في مجال الدواء ، وقدمت خدمات عظيمة للبشرية وأوجدت الكثير من الحلول لكثير من الأمراض المستعصية عن طريق تحديد الجينات المسببة للأمراض وتحديد DNA لهذه الأمراض ، وفي مجالات صحة الجنين قدمت أبحاث الهندسة الوراثية خدمات جليلة، حيث يمكن التدخل لإنقاذ الجنين من مرض يحل به أو ضرر يحصل له عن طريق تحليل DNA والتعرف على الجينات المعطوبة عند الجنين والتدخل لعلاجها ، وهكذا نستطيع عن طريق أخذ خلية من أي إنسان من أي جزء في جسده كشعرة أو بصقة أو نقطة دم التعرف على المعلومات المرضية لدى هذا الإنسان وإمكان تخزين هذه المعلومات والتنبؤ عما قد يحدث له من تعرضه لبعض الأمراض للتمكن من أخذ إجراءات وقائية حتى لا يصاب بها الإنسان ( ) .

وهكذا نجد أن استعمال الهندسة الوراثية في مجال الدواء ساهم في علاج العديد من الأمراض ، كمرض " هاتتجون " وهو مرض عصبي يصيب الدماغ بعد سن الأربعين ، ويحس المريض بعدم الاتزان والهياج العصبي مما يؤدي إلى نتائج وخيمة ، وكذلك مرض الضمور العضلي ، وتليف البنكرياس والتخلف الذهني ، وذلك عن طريق اكتشاف الجين المسؤول عن هذه الأمراض الذي يمكنهم من التدخل لإصلاح مثل هذه الأمراض ومعالجتها .

فتطبيقات الهندسة الوراثية سواء كانت في مجال الغذاء أو الدواء قد تحمل الخير للبشرية وقد تحمل غير ذلك ، ومن هذا المنطلق نقول: إذا كانت تطبيقات الهندسة الوراثية في مجال " الغذاء " سوف تؤدي إلى تحسين إنتاجية المحصول وتحصينه من الأمراض فهذا شيء جيد ولا بأس به وينبغي تشجيعه ، أما إذا كانت تطبيقات الهندسة الوراثية في مجال " الغذاء " معوقاً يؤدي إلى إقلال القيمة الغذائية للمحاصيل الزراعية ، وفقدان فائدتها ومذاقها ، أو سوف يؤدي تناولها إلى إلحاق أضرار بالناس ولو على المدى البعيد فإن ذلك أمر لا يجوز؛ لأن فيه إضراراً بالناس والشريعة تنهي عن الضرر ، قال () : " لا ضرر ولا ضرار " .

ونقول ذلك أيضاً في تطبيقات الهندسة الوراثية في مجال الدواء ، فإذا كانت تطبيقاتها سوف تؤدي إلى إضرار الناس وجعل البشر كفئران تجارب لهذه الأشياء أو وضع مخدرات ومفترات في أدويتهم بدون حاجة بل لأغراض تجارية ولمجرد تحسين اللون أو الطعم للدواء أو لكونها تهدئ من يتناولها وتسعده لفترة محدودة ويجعل من الناس مسوخاً لا بشراً، فإن هذا نقول بحرمته وعدم جوازه .

وما نسمع عنه من احتمال استعمال الهندسة الوراثية لاستنساخ البشر ، عن طريق اكتشاف DNA أو الخريطة الوراثية للإنسان ، بحيث يكون باستطاعة العلماء عن طريق أخذ خلية من الإنسان معالجتها وراثياً وإمكانية استنساخ بشر مماثل له في الصفات ، فهذا أمر ينكره الدين بل تنكره الأخلاق والفطرة السليمة(1) .

فإذا كانت الهندسة الوراثية تنفع الإنسان وتصلح له غذاؤه ودواؤه ، فاستعمالاتها وتطبيقاتها مباحة ومجازة شرعاً ، لأن الشرع والعقل لا يتعارضان بل إن الشرع يوجه العقل ويضبطه .
 

تحميل البحث: 

العودة للخلف