المكتبة الفقهية

مخاطر الثقة في تطبيقات المضاربة وعلاجها

اسم المؤلف: 

د.العياشي فداد

  إن حياة البشر بصفة عامة لا تنفك عن المخاطر، فهي تحوم حولهم وتترصدهم في كافة مناحي حياتهم : الاقتصادية، والمالية، والاجتماعية، والسياسية . وتعكس المخاطر المحيطة بالإنسان جانب الخوف الذي يقابل الرجاء، وهما الجناحان اللذان يسير بهما الإنسان في حياته الدنيا.
وفي المجال الاقتصادي والنشاط الاستثماري على وجه الخصوص فإن تعرض أي مشروع استثماري للخسارة أو عدم تحقق الربح المتوقع أو حتى إفلاس المشروع أمر يلازم المستثمرين مؤسسات كانت أم أفرادا.
ودرء تلك المخاطر بالوسائل المشروعة أمر مطلوب شرعا لأن الوقاية من الخسارة وهلاك المال يحقق مقصد حفظ المال الذي يعدّ من المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.
وقواعد الشريعة تقر بل تحث على بذل الوسع في تقليل المخاطر أو الحد أو الحماية منها. ولكن في ذات الوقت تؤكد على أن ثمة مخاطر لا بد من تحملها وهي ما يتعلق بمخاطر الملكية، وهو ما يصنع الفارق بين الربح الحلال نتيجة تحمل تلك المخاطر وبين الحصول على عائد مضمون من غير تحمل لأدنى المخاطر كالفائدة على القرض.
ولقد أكد علماء مقاصد الشريعة على أن حفظ المال يكون على وجهين: حفظه من جانب الوجود من خلال الأحكام التي توجب العمل والاستثمار والتنمية، وحفظه من جانب العدم من خلال الأحكام التي تمنع إتلافه وتقيه مخاطر الهلاك. وقد عدّ علماء الشريعة حفظ المال من الضروريات التـي لابـد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، وبينوا بأن جملة العقود والمعامـلات بعامة والمعاوضات المالية بخاصة من وسائل حفظ المال من جانب وجوده.
وعدم الجمع بين الربح والضمان (عدم تحمل المخاطر) كان هو نهج من سلف من الفقهاء والأئمة إلا فيما يقبل الجمع. جاء في البيان والتحصيل: قال عيسى: وسألت ابن القاسم عما رفع للقضاء من أموال اليتامى، هل يستودعها لهم أم يضمنها لهم؟ فقال: إن الضمان الذي يصنع بعض الناس وأهل العراق أن يضمنوه أقواماً يكون لهم ربحها وعليهم ضمانها حرام لا يحل، والسنة فيها أن يستودعها من يثق به إذا لم يكن لهم أوصياء، فإن كان لهم وصي لم تخرج من يده إذا كان ثقة.
كما أن بعض العلماء جعل تحمل المخاطر هو معيار المفاضلة بين الصيغ الاستثمارية المختلفة، حيث أشار هؤلاء إلى أن جنس عقود المشاركات مثل: المضاربة، والمزارعة وغيرهمـا هي من أقوم العدل. وقد نقل ابن القيم عن الإمام أحمد أن باب المشاركات أطيب وأحل من المؤاجرة ، وجـعل القـاعدة فـي المعاوضات: أن يستوي المتعاقدان في الخوف والرجاء، وهو واقـع فـي جنس المشاركات، فإن المنفعة إن سلمت سلمت لهمـا، وإن تلفـت تلفـت عليهما. وهذا من أحسن العدل. وهذا الذي أشار إليه ابن القيم أوضحه شيخ الإسلام حينما أكد على أن الخطر، خطران: خطر التجارة، وهو: أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها بربح ويتوكل على الله في ذلك، فهذا لا بد منه للتجارة. والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل أموال الناس بالباطل فهذا الذي حرمه الله ورسوله.
وما سبق من مبادئ هو ما لخصته القواعد الفقهية التي نصت على أن :
-الخراج بالضمان
-الغنم بالغرم. وغيرهما : وهذه القواعد تمثل مقاصد شرعية، وأصول كلية بنى عليها الفقهاء فروعا ومسائل جزئية كثيرة وفي التطبيقات والنوازل اعتمدوها أصلا للتخريج.
وتطبيقا لهذه القواعد، فإن الربح على رأس المال (الغنم) لا يكون إلا بتعرضه للمخاطرة (الغرم)، فإذا كان مضمونا من غير أدنى مخاطرة فذلك هو القرض الذي يجب أن يرده المقترض من غير زيادة؛ لأنه يتحمل تبعة هلاكه وخسارته؛ أي كان عليه غرمه، فيجب أن يكون له غنمه.
والخراج يعني الربح أو العائد، والضمان التعرض للمخاطر أو تحمل تبعة الهلاك والتلف والخسارة، وقد ربط الشارع بينهما، أي أن الخراج لا يحل إلا في مقابل تحمل الضمان، والمقصود بالضمان هو: احتمال الضمان، وليس حقيقة الضمان.
الخاتمة
هذا ما تمكنت من جمعه حول الموضوع، وهو غيض من فيض مما في مدونات الفقهاء والعلماء وأصحاب الاختصاص، وهو جهد المقل ، أسأل الله تبارك وتعالى العفو والمغفرة عن كل خطأ وزلل، وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين 

تحميل البحث: 

العودة للخلف