المكتبة الفقهية

السلع الدولية وضوابط التعامل فيها

اسم المؤلف: 

الأستاذ الدكتور حمزة بن حسين الفعر الشريف

  إن النمو المتزايد لسوق المصرفية الإسلامية بسبب الإقبال الكبير عليه داخل الدول الإسلامية وخارجها أصبح أمراً ظاهراً للعيان بدءاً بالمصارف التي بلغ عددها قرابة (280) مصرفاً حول العالم إضافة إلى ما يزيد عن ثلاثمائة مصرف تقليدي تقوم بتقديم منتجات مالية إسلامية متمثلة في فروع مستقلة، أو نوافذ، أو منتجات وقد بلغ عدد الصناديق الإسلامية في هذه البنوك حتى مارس عام 2008م نحو (500) صندوق، ومن المتوقع أن تصل بحلول عام 2010م إلى (1000) صندوق، وبلغت قاعدة موجوداتالمصارف الإسلامية أكثر من (520) مليار دولار، ومن المتوقع أن يصل حجم أصولها وودائعها بحلول عام 2012م إلى تريليون دولار، بناء على نسبة النمو العالية في هذا القطاع التي تتراوح ما بين (15%- 20%).

وهناك شركات الاستثمار الإسلامية الكثيرة التي تنوعت ما بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة، إضافة إلى نمو السوق المالي الإسلامي ممثلاً في شركات التأمين وإعادة التأمين الإسلامي، وبعض أسواق المال التي أعلنت عن تبنيها للمنهج الإسلامي.

وهذا كله يدل دلالة واضحة على أهمية سوق المال الإسلامي عامة وسوق المصرفية الإسلامية على وجه الخصوص، ووجوب السعي إلى تطويره وضبطه بالضوابط الشرعية حتى يكون محققاً للغاية التي وجد من أجلها، وللآمال التي تعلقت به من حيث وجود بديل شرعي يسهم في دفع غائلة الربا، والمكاسب المحرمة، ويرفع الحرج الشرعي عن المتعاملين فيه، ويعمل على تحقيق التنمية في المجتمع.

والمصارف وشركات الاستثمار الإسلامية تسعى لتحقيق أمرين رئيسين:

أولهما: استثمار موجوداتها وتنميتها بطريقة شرعية تحقق لها المحافظة على هذه الموجودات مع تحصيل أرباح مناسبة تعود عليها.

وثانيهما: تلبية حاجة المتعاملين معها من ناحية إيجاد قنوات استثمارية تمكنهم من تثمير أموالهم، وتحقق لهم رغباتهم بأساليب، وأدوات تمويلية بطريق مشروع.

والمتأمل في نشأة المصرفية الإسلامية يدرك أنها بهذه الصورة ليست ضاربة في أعماق الزمن؛ لأن عمرها لا يتجاوز ثلث قرن من الزمان، وإن كانت تستند إلى أصول الشريعة الإسلامية العريقة الراسخة.

وقد لاقت هذه الصناعة صعوبات عديدة في الخروج من الواقع النظري إلى حيز التطبيق العملي، ولكنها استطاعت أن تثبّت أقدامها بفضل الله حتى أصبحت حقيقة واقعة لا يكابر فيها عاقل منصف.

هذه الصعوبات التي واجهتها ولا تزال تواجهها في بعض البلدان تتمثل في حداثة الفكرة، وتشكك كثير من الناس في إمكانية تطبيقها ونجاحها، وكذلك قوة المنافسة من المؤسسات التقليدية التي تتمتع بالثبات والدعم والانتشار الكبير، مع ما تعاني منه المصرفية الإسلامية من قلة وضعف الكوادر المؤهلة المدربة، وافتقارها في عدد من البلدان إلى الجانب التشريعي القانوني الذي يعطيها صفة القبول، ويسهّل عملها، ويدعم وجودها.

والآن وبعد قدرتها على تخطي كثير من هذه العوائق، وانجذاب المتعاملين إليها، واتساع دائرتها، ووفرة موجوداتها، برزت مشكلات أخرى في مواجهة العمل المصرفي الإسلامي والشركات الإسلامية؛ من حيث إن مؤسسات هذه الصناعة في حقيقتها وجوهرها مؤسسات استثمارية تقوم على تنمية المال عن طريق المشروعات، والوسائل التي لا تجعل الهدف من المال هو الربح بدون مقابل، كما هو الحال في القروض الربوية، ولا تحصيل الربح من أي عمل، بل لابد من وجود ضوابط شرعية لهذا العمل الذي تتعاطاه، سواء في مجال العقود، أو الخدمات، أو غيرها، مع الحرص على تحقيق المقاصد الشرعية في المال

ونظراً لازدياد حجم السيولة في هذه المؤسسات نتيجة لنمو حجم موجوداتها، وتسارع إيقاع الأسواق والتداولات، وكثرة المنتجات المالية التي لا تتواءم مع الشريعة، والقلة النسبية للأدوات المالية الإسلامية، فإنه أصبح لزاماً عليها أن تسعى لإيجاد قنوات مأمونة شرعاً لتصريف هذه السيولة حتى تحقق أرباحا تلبي حاجة المستثمرين معها، وينتفع المجتمع من خلالها. إن هذا الجهد هو الاستثمار الحقيقي المنشود.

وقد لجأت المؤسسات المصرفية الإسلامية تحت تأثير هذا الواقع إلى عدد من المنتجات والأدوات فيما تمارسه في الداخل، أو فيما تتعامل به في الخارج مع مؤسسات الاستثمار الكبرى، ومن هذه الأدوات الاستثمارية التي توسع العمل بها (السلع الدولية) التي هي موضوع هذه الورقة، وقبل الخوض في ثنايا هذا الموضوع وبيان أحكامه وضوابط التعامل فيه يحسن أن تعرف بالمقصود.

الخاتمة وحتى يتحقق هذا الأمل الذي ليس ببعيد بإذن الله، فإني أقدم هذه التوصيات لضبط وتصحيح التعامل بالسلع الدولية:

أولاً: الالتزام بقرارات الهيئات والمجامع الفقهية، والتي من أهمها: الاقتصار على التعامل بالبيوع الحالة، مع الحرص على تحقيق شروط البيع الشرعي، والتأكد من كون السلعة قابلة للنقل والحيازة.

ثانياً: البعد عن التعامل في العقود الآجلة للمحاذير الشرعية التي تكتنفها.

ثالثاً: العمل على إيجاد صيغة مقبولة شرعاً للبعد عن الصورية المتمثلة في العقود التي تجري في السلع الدولية، وأهم شيء في هذا أن يتحقق ملك البنك للسلعة، وأن يتم القبض الحقيقي أو الحكمي فيها قبل بيعها، وأن لا يكون البائع الأول وكيلاً في البيع حتى لا يكون ذلك ذريعة لانتقال السلعة إليه مرة أخرى، فتقع العينة.

رابعاً: أن تقوم الهيئات الشرعية في المصارف الإسلامية بالتدقيق في عقود عمليات السلع الدولية، وتضبط الإطار الذي يتم من خلاله إجراء هذه العقود، وان يوصى بالتخفيف من الاعتماد عليها في استثمارات البنوك الإسلامية

خامساً: أن يتم العمل على تفادي محاذير التعامل في الأسواق المالية بوضع الشروط والمواصفات الموافقة للشريعة، وهذا أمرٌ ليس بمستبعد في التعاملات الدولية إذا تم الاتفاق عليه من قبل المتعاقدين، انطلاقاً من مبدأ حرية التعاقد.

سادساً: أن يتم التدقيق والرقابة على تنفيذ هذه العمليات وزيارة هذه الأسواق للتأكد من وجود هذه السلع وصلاحيتها للتعامل بها.

وبالله التوفيق وعليه الاعتماد.

تحميل البحث: 

العودة للخلف