المكتبة الفقهية

قاعدة في الأموال السلطانية لشيخ الإسلام ابن تيمية

اسم المؤلف: 

إياد بن عبد اللطيف بن إبراهيم القيسي

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله وعبده الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين، وصحبه أجمعين.

أما بعد:

 فإنه ليشرفني أن أقدم للقراء هذه المبحث المهم القيم من مباحث شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله، وهي رسالة صغيرة مما لم ينشر من كتابات هذا الإمام، متبعاً خطي من سار هذا الركب والذين بذلوا جهداً طيباً لإخراج درره وكنوزه.

فأهل الخير والصلاح يعلمون أن من أوجب الواجبات على العلماء وطلبة العلم العناية بتراث هذه الأمة مما أؤمنوا عليه، هذا التراث الثمين الرصين الذي تركه لنا أئمة الإسلام الأماجد في شتى صنوف العلم وألوانه.

والحقيقة التي يدركها الكل أن كثيراً من هذا التراث لا يزال حبيس الخزائن، مكنوزاًً في خبايا المكتبات في البلاد العربية والإسلامية، بل في شتى أرجاء المعمورة.

والأمة اليوم بحاجة شديدة وماسة إلى هذا التراث والعناية به إخراجاً وتحقيقاً مبتعدة عن العبث والتلاعب، مما يفعله البعض، جرياً وراء الكسب المادي الرخيص.

ومن أجدر تلك المخطوطات بالرعاية والاهتمام، وأجودها بل وأكثرها نفعاً للمسلمين كتابات هذا الإمام لما حولته من علم محقق ونقل مصدق.

وقد حظيت كتب هذا العلم – وبحمد الله ومنته – بعناية طيبة، فانبرى نفر ممن وفقه الباري عز وجل لخدمة شرعية ودينه لإخراج هذه الكنوز، من أمثال الشيخ محب الدين الخطيب، ومحمد رشيد رضا، ومحمد حامد الفقي، ومحمد رشاد سالم، وعبد الرحمن بن قاسم النجدي وغيرهم رحمهم اله رحمة واسعة، وأرجو أن يكون إنتسابي في خدمة هذا الشيخ منتوفيق الله لي، ومنذ فترة ليست بالقصيرة يممت شطر كتب الإسلاف همتي؛ لنشرها وإخراجها والاعتناء بنسبتها إليهم ودفع ما ينسب لهم، وجمع شتات أقوالهم في الموضوع الواحد، وقد وفقت لنشر بعضها وأنا أطمع بالمزيد.

وأكرر ما أذكره دائماً أن الأمة بقدر ما هي بحاجة إلى كتابات معاصرة ميسرة فهي بحاجة أشد لنشر كتب علماءها السابقين، وليس إحياء مثل هذه المخطوطات ترفاً علمياً أو عملاً كمالياً.

وعلى صفحات مجلة الحكمة الغراء، أسطر ما وفقني مولاي جل وعلا لتحقيقه من كلام شيخ الإسلام وبقية السلف الكرام في الأموال السلطانية.

والله أسأل أن يجعل القصد خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به من قرأه وأنا على يقين أن العبد إذا أخلص عمله لله كانتله هذه الأعمال ذخراً بعد الموت ونجاة من عذاب النار والقبر. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

 

الخاتمة

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهذه المشتبهات في الأقوال والأعمال والأموالِ داخلةٌ في الحديث الذي هو أحد مباني الإسلام حديث النعمان بن المشهور في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ وبين ذلك أمورٌ مشتبهات لا يَعلمهنَّ كثيرٌ من الناس فمن تَرك الشبهاتِ استبرأ لدينِه وعِرضِه ، ومن وقع في الشبهاتِ وَقَعَ في الحرام كالراعي يَرعَى حولَ الحِمَى يُوشِك أن يَقَع فيه، ألا وإن لكلِّ مَلِكٍ حِمىً وإن حِمَى الله محارمُه ألا وإن في الجسد مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ لها سائر الجَسَد وإذا فَسَدتْ فَسَدَ لها سائر الجسد ألا وهي القلب فإنه ضمن هذا الحديث الأكل والشرب من الطيبات والعمل الصالح , كما أمر به في قوله : ﴿ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ (المؤمنون: 51) إذ أمر به المرسلين والمؤمنين كما في حديث أبي هريرة المخرج في صحيح مسلم , وذكر فعل المعروف وترك المنكر الذي هوصلاح القلب والجسد والحلال والحرام كما قال تعالى ﴿ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ ﴾ (الأعراف: 157) وذكر أن الشبهات لا يعلمها كثير من الناس فدلَّ ذلك على أنَّ من الناس من يعلمها فمن تبيَّنت له الشبهاتُ لم يبقَ في حقِّه شبهةٌ , و من لم تتبيَّنْ له فهي في حقِّة شبهةٌ , إذ التبيُّن والاشتباه من الأمور النسبية فقد يكون الذي متبيناً لشخصٍ , مشتبهاً على الآخر .

 

 

وبيَّن أن الحَزْمَ تركُ الشبهات والشبهات قد تكون في المأمور به وقد تكون في المنهي عنه فالحزْمُ في ذلك الفعلُ وفي هذا التركُ فإذا شك في الأمر هل هو واجبٌ أو محرَّمٌ ؟ فهنا هو المشكلُ جداً كما في الاعتقادات فلا يحكم بوجوبه إلاّ بدليل و لا نحرمه إلا بدليل فقد لا يكون واجباً ولا محرماً وإن كان اعتقاداً إذْ ليس كلُّ اعتقادٍ مطلقٍ أوجبَه الله على الخلق بل الاعتقاد إمّا صواب وإمّا خطأ وليس كلُّ خطأ حرَّمَه الله بل قد عفا الله عن أشياءَ لم يُوِجْبها ولم يُحرِّمْها والله أعلم .

تم بحمد الله وعفوه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .

في خامس عشر من شعبان المكرم من سنة أربع عشرة وثمان مئة , ( بمدرسة أبي عمر قدَّس الله تعالى روحه ونوَّر ضريحه )

 

تحميل البحث: 

العودة للخلف