الفعاليات الفقهية

د. عفانة: سؤال الكهان والعرَّافين لمعرفة السارق واسترجاع المسروق من كبائر الذنوب

الجهة المنظمة: 

مجمع الفقه الاسلامي الدولي

تاريخ التنفيذ: 

الأحد, مايو 29, 2016

يقول الدكتور حسام الدين عفانة في سؤال الكهان والعرَّافين لمعرفة السارق واسترجاع المسروق ما يأتي:

 

أولاً:

لا بد أن يُعلم أن من عقيدة المسلم أنه لا يجوز تصديقُ الكهان والعرَّافين وأمثالهم، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة[ ] الطحاوية[ ] ، وهي العقيدة المرضية عند أهل السنة والجماعة: [ولا نصدق كاهناً ولا عرَّافاً ولا من يدَّعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة...وقال شارح الطحاوية: والمنجم يدخل في اسم العرَّاف عند بعض العلماء[ ] ، وعند بعضهم هو في معناه. فإذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسؤول؟ وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد، عن عائشة[ ] رضي الله عنها قالت: «سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان؟ فقال: ليسوا بشيءٍ، فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة» ] شرح الطحاوية ص 238.

 

ثانياً:

ورد في السنة النبوية أحاديثُ كثيرة تنهى عن سؤال الكهان والعرَّافين وتصديقهم، فقد روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أتى عرَّافاً فسأله عن شيءٍ لم تقبلْ له صلاةٌ أربعين ليلة»(ورواه أحمد في المسند بلفظ: «من أتى عرَّافاً فصدَّقه بما يقول لم تقبل له صلاةٌ أربعين يوماً» وصححه الشيخ الأرناؤوط). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرَّافاً أو كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وصححه العلامةالألباني[ ] في صحيح الترغيب). وعن جابر رضي الله عنه أن النبي[ ] صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنا فصدَّقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» (رواه البزار بإسنادٍ جيدٍ قويٍ وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى امرأةً حائضاً أو امرأةً في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» (رواه النسائي والترمذي وصححه العلامة الألباني). وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منَّا من تَطير أو تُطير له، ‏أو تكهن أو تُكُهن له، أو سحر أو سُحر له. ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما ‏أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» (رواه البراز والطبراني في الأوسط بإسناد حسن، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب). وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قلت: «يا رسول الله إني حديث عهدٍ بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام وإن منَّا رجالاً يأتون الكهان، قال: فلا تأتهم» (رواه مسلم). وغير ذلك من الأحاديث. قال الإمام النووي: [قال الخطابي وغيره: العرَّاف هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق، ومكان الضالة، ونحوه وأما عدم قبول صلاته فمعناه: أنه لا ثوابَ له فيها وإن كانت مجزئةً في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة...ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرَّاف إعادةُ صلوات أربعين ليلة، فوجب تأويله] شرح صحيح مسلم14/223. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[ ] : [العرَّاف: قد قيل إنه اسم عامٌ للكاهن والمنجم والرمَّال ونحوهم ممن يتكلم في ‏تقدم المعرفة بهذه الطرق] مجموع الفتاوى35/173.

 

ثالثاً:

من المقرر شرعاً أنه لا يعلم الغيبَ إلا اللهُ عز وجل، فمن ادَّعى أنه يعلم الغيب فهو كاذبٌ ومفترٍ، ويحرم شرعاً تصديقه.ويدخل في هذا الحكم الكاهن والعرَّاف والمنجم ونحوهم، قال تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون} [سورة النمل الآية65]، وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ}[سورة الرعد الآية9]. وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [سورة الجن[ ] الآيتان26-27]. قال الإمام القرطبي: [قال العلماء رحمة الله[ ] عليهم: لما تمدَّح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليلٌ على أنه لا يعلم الغيبَ أحدٌ سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزةً لهم ودلالةً صادقةً على نبوتهم. وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضربُ بالحصى وينظرُ في الكتب ويزجرُ بالطير ممن ارتضاه من رسولٍ، فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافرٌ بالله مفترٍ عليه بحدسه وتخمينه وكذبه] تفسير القرطبي19/28.

 

رابعاً:

يحرم الاستعانة بالجن في جميع الحالات كسؤالهم عن السارق ومحل المسروق، ومثل ذلك ما يسمى بفتح المندل، فإنه يكون بالاستعانة بالجن، فهو ضربٌ من ضروب العرافة ‏والكهانة وإدَّعاء معرفة الغيب.‏وقد قال تعالى:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} [سورة الجن الآية6].

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم الإسلام في الذي يستعين بالجن في معرفة المغيبات كضرب المندل؟ فأجابوا: لا يجوز الاستعانة بالجن وغيرهم من المخلوقات في معرفة المغيبات، لا بدعائهم والتزلف إليهم ولا بضرب مندلٍ أو غيره، بل ذلك شركٌ؛ لأنه نوع من العبادة، وقد أعلم الله عباده أن يخصوه بها فيقولوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله…الحديث» فتاوى[ ] اللجنة1/345-348.

 

خامساً:

يحرم شرعاً الذهابُ للكهان والعرَّافين، وهو كبيرةٌ من كبائر الذنوب[ ] ، وقد عدَّه ابن حجر المكي من الكبائر فقال: [الْكِهَانَةُ وَالْعِرَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ وَالتَّنْجِيمُ وَالْعِيَافَةُ، وَإِتْيَانُ كَاهِنٍ وَإِتْيَانُ عَرَّافٍ، وَإِتْيَانُ طَارِقٍ، وَإِتْيَانُ مُنَجِّمٍ، وَإِتْيَانُ ذِي طِيَرَةٍ لِيَتَطَيَّرَ لَهُ، أَوْ ذِي عِيَافَةٍ لِيَخُطَّ لَهُ] الزواجر ص463.

 

 

سادساً:

اختلف أهل العلم[ ] في تكفير من ذهب للكهان والعرَّافين، قال الشيخ العلامة العثيمين: [سؤال العرَّاف ونحوه ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يسأله سؤالاً مجرداً؛ فهذا حرامٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتي عرَّافاً فسأله عن شيءٍ لم تقبلْ له صلاةٌ أربعين ليلة» فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه؛ إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم. القسم الثاني: أن يسأله فيصدَّقه، ويعتبر قوله؛ فهذا كَفرٌ لأن تصديقه في علم الغيب تكذيبٌ للقرآن، حيث قال تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون} [سورة النمل الآية65]. القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادقٌ أو كاذبٌ، لا لأجل أن يأخذ بقوله؛ فهذا لا بأس به، وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ابن صياد؛ فقال: ماذا خبأت لك؟ قال: الدخ. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اخسأ؛ فلن تعدو قدرك. فالنبي صلى الله عليه وسلم سأله عن شيءٍ أضمره له؛ لأجل أن يختبره؛فأخبره به. القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمورٍ، وهذا قد يكون واجباً أو مطلوباً] القول المفيد2/49. وبناءً على ما سبق فلا تعارض بين حديث: «من أتى عرَّافاً أو كاهناً فصدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد» فالمراد منه أن من سأل العرَّاف أو الكاهن معتقداً صدقه وأنه يعلم الغيب فإنه يكفر؛ لأنه خالف القرآن في قوله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} وبين الحديث الآخر: «من أتى عرَّافاً فسأله عن شيءٍ لم تقبلْ له صلاةٌ أربعين ليلة» والمراد به أن من أتى عرَّافا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن صدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد. وقال بعض أهل العلم بكفر من يدَّعي معرفة المسروقات أو أن الجن تخبره بذلك، قال عابدين الحنفي: [والحاصل أن الكاهن من يدَّعي معرفة الغيب بأسبابٍ، وهي مختلفة، فلذا انقسم إلى أنواعٍ متعددةٍ كالعرَّاف، والرمَّال، والمنجم: وهو الذي يخبر عن المستقبل بطلوع النجم وغروبه، والذي يضرب الحصى والذي يدَّعي أن له صاحباً من الجن يخبره عمَّا سيكون، والكل مذمومٌ شرعاً، محكومٌ عليهم وعلى مصدقهم بالكفر. وفي البزازية: يكفر بادِّعاء علم الغيب وبإتيان الكاهن وتصديقه. وفي التتارخانية: يكفر بقوله أنا أعلم المسروقات أو أنا أخبر عن إخبار الجن إياي] حاشية ابن عابدين4/428.

 

سابعاً:

من سُرق منه شيءٌ، فعليه أن يسلك السبل المعروفة لمعرفة السارق ولاسترداد المسروقات، فيلجأ إلى الشرطة والمحاكم، ولا يتبع طرق المنجمين والسحرة والكهان والعرَّافين.

 

وخلاصة الأمر أن من عقيدة المسلم أنه لا يجوز تصديق الكهان والعرافين وأمثالهم، ومن المقرر شرعاً أنه لا يعلم الغيبَ إلا اللهُ عز وجل، فمن ادَّعى أنه يعلم الغيب فهو كاذبٌ ومفترٍ، ويحرم شرعاً تصديقه، وورد في السنة النبوية النهيُ عن سؤال الكهان والعرَّافين وتصديقهم، وأن من أتى عرَّافاً فسأله عن شيءٍ لم تقبلْ له صلاةٌ أربعين ليلة، وأن من صدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الاستعانة بالجن حرامٌ شرعاً في جميع الحالات كسؤالهم عن السارق ومحل المسروق، ومثل ذلك ما يسمى بفتح المندل، والواجب الشرعي على من أتى العرَّافين والكهان أن يتوب إلى الله تعالى توبةً نصوحاً بشروطها المعروفة، ولا يجوز شرعاً الاعتماد على كلام الكهان والعرَّافين في اتهام الناس بالسرقة، بلا دليلٍ محسوسٍ. والواجب محاربة هؤلاء الدجاجلة وتحذير الناس منهم، لأنهم من المفسدين في الأرض، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل. والله الهادي إلى سواء السبيل.

العودة للخلف