الفقه الإسلامي - عادل بن عبدالله باريان
الحمدُ لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين وبعد : فقد وقفنا في الحلقة الماضية عند نهاية المبحث الأول من كتاب الأزمة المالية العالمية " رؤية إسلامية" ، وفي هذه الحلقة – بمشيئة الله تعالى – أستعرضُ - مع القارئ الكريم - المبحث الثاني ، والثالث من مباحث هذا الكتاب . وقد عنونَّ المؤلف للمبحث الثاني بـ( أسباب الأزمة المالية العالمية ) وأرجعَ المؤلف أسباب الأزمة الرئيسة إلى ما أسماها بـ"المدمرات الثلاث" : 1-الربا ، 2 - بيع الديون ، 3 - المقامرة ...
وكلٌ منها مرتبطٌ بالآخر :
أولاً : فقاعة الربا : فقد ارتبطت بوادر الأزمة المالية العالمية بصورة أساسية بالربا أو سعر الفائدة ، وفي ظل منح القروض العقارية بسعر فائدة معوم أي متغير ، ومع الارتفاع المتوالي لسعر الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذُ عام (2004م ) فقد انعكس هذا الارتفاع على تلك القروض ؛ حيث أدى إلى زيادة في أعبائها من حيث خدمتها وسداد أقساطها ، وفي المقابل توقفَّ عدد كبير من المقترضين عن سداد الأقساط المالية المستحقة عليهم ، مما ترتبَّ عليه تحميلهم أعباء إضافية نتيجةً لهذا التأخير وفقاً لسياسة سعر الفائدة .
ثانياً : فقاعة بيع الديون : لم تقتصر المؤسسات المالية الأمريكية على التوسع في الإقراض من خلال الديون العقارية ، بل عمدت إلى توليد موجات متتالية من الأصول المالية بناءً على أصل واحد عن طريق المشتقات المالية Financial Derivatives التي استخدمتها لتوليد مصادر جديدة للتمويل ، وبالتالي للتوسع في الإقراض من خلال فقاعة التوريق أو التسنيد للديون العقارية والذي يجمع بين الاقتراض والمشتقات .
والمقصود بالتتوريق والتسنيد : تجميع حزمة من القروض أو الديون المتشابهة ذات التدفقات النقدية المستمرة في المستقبل والمضمونة بأصول معينة من أجل بيعها أو حوالتها وإصدار أوراق مالية جديدة مضمونة بتلك الأصول .
وبذلك يعمل التوريق على تحويل القروض المصرفية إلى أوراق مالية قابلة للتداول. وبذلك يعمل التوريق على إصدار موجة ثانية من الأصول المالية بضمان الرهون العقارية ، فالبنك أو المؤسسة المالية المقرضة تقدم محفظتها من الرهونات العقارية كضمان للاقتراض الجديد من السوق عن طريق إصدار سندات أو أوراق مالية مضمونة بالمحفظة العقارية ، وهكذا فإنَّ الاقتراض الواحد يعطي مالكه الحق في الاقتراض من البنك أو المؤسسة المالية المقرضة ، ثم يقوم البنك أو المؤسسة المالية بإعادة استخدام نفس العقار ضمن محفظة أكبر ، للاقتراض بموجبها من جديد من المؤسسات المالية الأخرى ، وهكذا تولد المشتقات المالية موجات متتابعة من القروض ؛ حيث يولد العقار طبقات متتابعة من الإقراض بأسماء المؤسسات المالية واحدة بعد الأخرى .
ثالثاً : فقاعة المقامرة : فقد ظهرت المقامرة جلياً في هذه الأزمة من خلال المقامرات باسم المضاربات من خلال البيع على المكشوف Sell short ، والمشتقات المالية Financial Derivatives على الأوراق المالية سواء كانت تلك الأوراق خاصة بالديون العقارية أم غيرها . وقد فصلَّ المؤلف الحديث عن ألوان وضروب المقامرة من خلال العديد من الممارسات التي تحصل وتجري في أسواق الأوراق المالية " البورصة " .
المبحث الثالث
عقدَ المؤلف – وفقه الله – هذا المبحث في كتابه عن الأزمة وقصدَ منه مبيناً أنَّ تأريخ الرأسمالية المالي إنما هو تأريخ أزمات !! ولذاك نجدُ المؤلف عنونَّ لهذا المبحث بـ : ( ما بين الأزمتين ) ومما قاله بهذا الصدد : [ إنَّ التأريخ يكادُ يعيد نفسه حيثُ لا تختلف الصورة كثيراً عن أزمة الكساد العظيم التي حلت بالعلم جراء النظام الرأسمالي خلال الفترة من عام ( 1929 م ) إلى عام ( 1933م ) ففي 3 سبتمبر من عام ( 1929 م ) أقفل مؤشر داو جونز لمتوسط الصناعة عند 381 نقطة ، وفي 2 أكتوبر من نفس العام انخفض المؤشر بما يعادل 49 نقطة ، صحبه انخفاض آخر في اليوم التالي 43 نقطة ....
وخلال تلك الفترة أفلست العديد من الشركات وانتشرت البطالة ، فانخفض الطلب على السلع والخدمات ، وفشل المقترضون عن الوفاء فأحجم المقرضون عن تقديم القروض ، وواجهت البنوك صعوبة في تحصيل مستحقاتها ، ففي الولايات المتحدة أعلن إفلاس 5000 بنك ، وخسر المودعون بما يعادل 3 بليون دولار ، حتى اضظر الرئيس الأمريكي ( روزفلت ) إلى إعلان إغلاق جميع البنوك وذلك اعتباراً من 6 مارس من عام ( 1933م ) ... ] .
وقد وجُهَّت سهام الاتهام للمضاربة بالمشتقات المالية : بأنها السبب الرئيس لأزمة يوم الاثنين في 19 أكتوبر ( 1987م ) التي أصابت أسواق رأس المال في الولايات المتحدة الأمريكية ، وترتبَّ عليها انتقال عدواها إلى باقي دول العالم ، بل إنَّ المشتقات عصفت ببنك بارنج البريطاني الذي كان تأريخه يمتد في أعماق الماضي 233 سنة ، حيث يقرب خسائره من المليار ونصف المليار دولار ... وهذا يؤكدُّ جلياً أنَّ الرأسمالية تأريخها تأريخٌ حافلٌ بالأزمات المالية .
وللحديث يقية للرحلة في كتاب الأزمة المالية العالمية ، وصلى الله وسلم على محمد و على آله وصحبه أجمعين .