الفقه اليوم
اللجنة الدائمة: شروط الاعتكاف ..... مقال فقهي: ثمرة الصيام "تقوى الله تعالى" ..... مقال فقهي: التنبيه على مفارقة الإمام في القيام قبل انصرافه ..... اللجنة الدائمة : تحري ليلة القدر وكيفية إحياء هذه الليلة ..... ابن عثيمين: ليلة القدر تنتقل من ليلة لأخرى من الليالي العشر ..... مقال فقهي: فضل ليلة القدر وأحكام الاعتكاف ..... ابن عثيمين: بعض مباحث الاعتكاف ..... المصلح: اعتكاف المرأة لا يكون إلا في المسجد ..... ابن باز: وقت صلاة التهجد ..... د. الركبان يبين حكم التوكيل بإخراج زكاة الفطر ..... مقال فقهي: العشرة الأواخر والدعاء ..... ابن باز: زكاة الفطر في رمضان مقدارها صاع من جميع الأقوات ..... اللجنة الدائمة: وقت زكاة الفطر ..... اللجنة الدائمة: زكاة الفطر لا تسقط بخروج الوقت ..... الأوقاف الجزائرية: زكاة الفطر لا تسقط عن واجدها ..... ابن باز: زكاة الفطر فرض على كل مسلم ..... المصلح: تخصيص ليلة سبع وعشرين بالعمرة من المحدثات ..... ابن عثيمين: ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون ليلة القدر فيها ..... اللجنة الدائمة: لا بأس لمن صنع طعامًا ليلة السابع والعشرين أو تصدق بصدقة أو زاد في الصلاة ..... ابن عثيمين: إخراج زكاة الفطر نقوداً لا تصح ..... اللجنة الدائمة: لا يجوز صيام ليلة عيد الفطر لإكمال ثلاثين يومًا .....
الجمعة 28 رمضان 1435 هـ     الموافق     25-7-2014 م موقع الفقه الإسلامي

البحـث
 البحث المتقدم   
الصفحة الرئيسة الكشاف الفقهي نوازل فقهية بحوث فقهية رسائل جامعية المنتدى الفقهي الفقه اليوم الرابطة الفقهية يستفتونك مستشارك الفقه والحياة
    اختيارات القراء
  الأكثر قراءة
 الأكثر تعليقا
 الأكثر إرسالا
 الأكثر طباعة
   الفقه اليوم/ قراءات وإصدارات
أرسل لصديق طباعة

أثر المستجدات الطبية على الصيام

 

الفقه الإسلامي
حاوره في الرياض فضل الله ممتاز
فضيلة الأستاذ الدكتور محمد جبر الألفي عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي وأستاذ الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء في حوار خاص مع موقع الفقه الإسلامي يلقي الضوء على ما استجد في مجال العلاج الطبي وأثره على صحة الصيام مع الإشارة إلى آخر ما توصل إليه العلم الحديث ، وما أمكن الاطمئنان إليه من مقاصد الشريعة الكلية ، بعدما لمسنا من كثرة السؤال عنها ، وتباين الفتاوى المعاصرة بشأنها ، وتكرار ذلك مع مقدم شهر رمضان المبارك وإلى نص الحوار:
 
الفقه الإسلامي: كما تعرفون أن آراء الفقهاء قد تباينت بشأن البخاخ الذي يتعاطاه بعض المرضى عن طريق الفم، فذهب البعض إلى أنه لا يفسد الصوم، وذهب آخرون إلى أنه يفسد الصوم فما القول الراجح برأي فضيلتكم؟

الدكتور محمد جبر الألفي : نعم تباينت أقوال الفقهاء بشأن البخاخ الذي يتعاطاه بعض المرضى عن طريق الفم، فذهب البعض إلى أنه لا يفسد الصوم، وذهب آخرون إلى أنه يفسد الصوم. فالرأي الأول: أن هذا البخاخ لا يفسد الصوم: استظهرت اللجنة الدائمة عجم الفطر باستعمال هذا الدواء، لأنه ليس في حكم الأكل والشرب، بوجه من الوجوه، وهو ما جاء في فتوى للشيخ ابن عثيمين؛ لأنه شيء يتطاير ويتبخر ويزول ولا يصل منه جزء إلى المعدة، ويستند بعض أصحاب هذه الفتوى إلى أن الرذاذ الذي تنفثه بخاخة الربو حدوده الرئتان ومهمته توسيع شرايينها التي تضيق بسبب الربو، وهذا الرذاذ لا يصل إلى المعدة، ولا يشكل غذاء ولا شراباً للمريض. والقول: البخاخ مما يفطر به الصائم: استظهر أصحاب هذا الرأي أن ما يعرف بالنشاق يكون فيه دواء سائل مضغوط في زجاجة، ويستنشقه الصائم من طريق فمه، يفطر الصائم، لأنه دواء دخل من طريق الفم، وقيد بعضهم ذلك بما إذا وصل الدواء المستعمل بالبخاخة إلى الجوف، وإلا فالصوم صحيح.و الراجح: أن بخاخ الربو يحتوي  على مستحضرات طبية + ماء + أوكسجين، وقد أكد لي عدد من الأطباء والصيادلة أن هذا المحتوى يدخل إلى المعدة بيقين، فالرأي: أن استعماله يفسد الصوم.

الفقه الإسلامي: من الأمور التي يتساءل الناس عن حكمها مضغ العلك في شهر رمضان المبارك، فهناك من يقول أنه لا يفسد الصوم، فما تعليق فضليكم على ذلك؟
 
الدكتور محمد جبر الألفي: قد تكلم الفقهاء في هذه المسألة عندما كان العلك مادة طبيعية لم تدخلها الصنعة، وقالوا: إن تفرَّق وتفتت بالمضغ فوصل منه شيء إلى الجوف، بطل الصوم، وإن كان قوياً – كالمطاط الرخو – فإنه يكره ولا يبطل الصوم، وعلى الكراهة حمل قول أم حبيبة رضي الله عنها: "لا يمضغ العلكَ الصائمُ" وقول عطاء: "ولا يمضغ العلك، فإن ازدرد ريق العلك لا أقول: إنه يفطر، ولكن ينهى عنه".
ومعظم العلك الموجود في هذه الأيام من النوع الصناعي، فهو يحتوي على مواد سكرية وطعم الفواكه أو النباتات، وصبغات طبيعية أو مصنعة كيميائياً، وكل هذا يتحلل داخل الفم عندما يختلط باللعاب الذي يتكون من أكثر من 99% من الماء + أملاح غير عضوية + مواد عضوية؛ ويصل مع اللعاب إلى الجوف. فيا حبذا لو أدرك المفتون هذه الحقيقة، وشددوا في النهي عن العلك للصائم، سداً للذريعة، وخاصة إذا لاحظنا أن التجارب الطبية أثبتت أن مضغ العلك يمكن أن ينهي إفراز المعدة، وبذلك يعرقل عملية الهضم، وخصوصاً بالنسبة إلى البروتينات، كما أن العلك ينهك الغدد اللعابية، ويستنفد بعض طاقات الصائم، ولذلك ينصح الأطباء الصائم بالابتعاد عن استعمال العلك.

الفقه الإسلامي: من المسائل التي دار حولها الجدل مسألة التدخين وهل هو مفسد للصيام؟
 
الدكتور محمد جبر الألفي : يشفق بعض من يتصدون للفتيا على مدمني الدخان والتبغ والمخدرات، ويظنون أن الرفق بهؤلاء وتصحيح صيامهم قد يؤدي بهم إلى الإقلاع عن هذه العادات، لما عرف طبياً من أن الصوم بالنسبة إلى المدمنين على التبغ هو أفضل علاج، فهو يسهل لهم الانقطاع عن هذه العادة، وفي أغلب الحالات يورثهم كرهاً لطعم التبغ.
ولا يجد بعض من يتصدون للفتيا دليلاً على أن الدخان بأنواعه يفسد الصوم، بناء على أصلهم في أن ما ليس له جرم، ويدخل مع مخرج النفس لا مخرج الطعام والشراب ليس من المفطرات.
أما الذين دونت فتاواهم فإنهم متفقون على أن التدخين ونحوه مفسد للصوم، وقد وجه بعضهم فتواه توجيهاً عاطفياً، حين نصح المدخن بالإقلاع عن التدخين ليحفظ صحته وأسنانه وماله وأولاده ونشاطه مع أهله، وحين ذكر أن الدخان نوع من الشراب بلا شك، ولكنه شراب ضار محرم بدليل قولهم: فلان يشرب الدخان، وشرب كل شيء بحسبه، واستند بعضهم إلى ما نص عليه الحنفية من أن الدخان عامة إذا دخل حلق الصائم بدون صنع منه لا يفسد صومه؛ لعدم إمكان التحرز عنه، وأما إذا أدخله حلقه بصنعه وإرادته – أياً كان الدخان – وبأي صورة كان إدخاله، وهو متذكر صومه؛ فإن صومه يفسد شرعاً، لإمكان التحرز عنه، وهو مما يميل إليه الطبع، وتنقضي به شهوة البطن.

والواقع أن الدخان بجميع أنواعه (
لفائف التبغ "سجائر وسيجار" وما يحرق في الأنبوب Pipe، وما يوضع في النارجيل) من المواد العضوية التي تحتوي على القطران والنيكوتين، ولها جرم يظهر في "الفلتر" وعلى الرئتين، وتصبغ الطبقة المخاطية التي تغطي جدار البلعوم بلون داكن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن التدخين يلبي شهوة المدخن (الكيف والمزاج) فيؤثر على أعصابه تأثيراً لا يقل عن تأثير الخمور والمخدرات، ولهذا نجد المدخن يصبر عن الطعام والشراب، ولكنه لا يصبر عن الدخان، فتناول الدخان – إذن – ينتفي مع معنى الصوم الذي ذكره الحديث القدسي: "يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
من أجل ذلك: نرى ضرورة تقيد المفتين – شفهياً وتحريرياً – باعتبار التدخين في كل صوره من مفسدات الصوم دون أي تردد أو أدنى خشية.

الفقه الإسلامي : قد اختلف الفقهاء في اعتبار ما يدخل من الأنف مفسداً للصوم، نتيجة اختلافهم في قبول حديث لقيط بن صبرة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال له: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً"، واختلافهم في مدى دلالته، وفي جواز القياس عليه، فما القول الراجح في هذه المسألة عند فضيلتكم؟

الدكتور محمد جبر الألفي : نعم يختلف الفقهاء في اعتبار ما يدخل من الأنف مفسداً للصوم، نتيجة اختلافهم في قبول حديث لقيط بن صبرة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال له: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً"، واختلافهم في مدى دلالته، وفي جواز القياس عليه.
وبناء على ذلك: أفتى البعض بأن ما يدخل من الأنف إلى بدن الصائم يفسد صومه، يستوي في ذلك أن يكون بخاخ زكام، أو سعوط أو مسحوق عطر، أو ماء الاستنشاق المبالغ فيه.
وأفتى بعض آخر بأن كل ما يدخل من الأنف إلى بدن الصائم لا يفسد صيامه مطلقاً.
وهناك من ميز في فتواه بين ما كان له جرم - كالماء والسعوط والعطر المسحوق - فعده من المفطرات إذا وصل إلى الحلق، وما ليس له جرم - كالبخاخ ونحوه - فلا يفسد الصوم.
والذي ينبغي الالتفات إليه في هذا الشأن: أن الأنف منفذ يشترك مع الفم في الاتصال بالحلق وأن جهاز الشم به يستقبل المواد الطيارة، فيذيبها في طبقة المخاط، ثم ينقلها عن طريق العصب الشمي إلى مركز الشم بالمخ، ولعل هذا هو الذي جعل السلف يقول: إن ما يؤخذ عن طريق الأنف يصل إلى الدماغ.
وأنه قد يستعمل الأنف طريقاً للتغذية في بعض الأحيان، فيكون هو والفم سواء في الحكم. وقد  أثبتت التحاليل الطبية أن بعض المواد العالقة في الهواء تدخل من الأنف، ويكون لها تأثير كبير على الدورة الدموية، ولهذا يطالب المدافعون عن حماية البيئة باستعمال الغاز الطبيعي أو البنزين الخالي من الرصاص في تشغيل الآلات والمركبات، ومنعت بعض الدول التدخين في الأماكن العامة حماية لغير المدخنين من تأثير الدخان على صحتهم.
وبناء على ذلك نقول وبالله التوفيق:
1- إذا استعمل الأنف طريقاً للتغذية في بعض الحالات – فما يصل منه إلى الحلق يفسد الصيام.
2- إذا تعمد الصائم التقطير في الأنف، أو استنشاق بخاخ الزكام أو الاستعاط، أو شم ما يُشبع رغبة الكيف أو المزاج (كالسموم البيضاء، أو الغِراء، أو القطنة المبللة بالبنزين)، أو تعمد البقاء في أماكن التدخين، وما أشبه ذلك: بطل صومه.
3- إذا احتاج الصائم لاستعمال قناع الأوكسجين لضيق في تنفسه، أو لوجوده تحت الماء، أو لانخفاض الضغط الجوي في الطائرة، أو نحو ذلك: فلا يبطل صومه، كما لو تنفس الهواء الطبيعي. والله أعلم.

الفقه الإسلامي: قد تضاربت الفتاوى في صحة صيام المكتحل وهل الكحل والدهن والقطرة مأثرة في الصيام؟

 
الدكتور محمد جبر الألفي: يبدو أن الفتاوى الحديثة في مسألة الكحل والدهن والقطرة في العين قد تابعت الخلاف الذي جرى بين الفقهاء، وهذا الخلاف بني على أصلين؛ أولهما: مدى صحة وحجية أحاديث الاكتحال، والثاني: مدى اعتبار العين منفذاً إلى الجوف.
فقد رأينا أن غالبية الفتاوى في هذا الشأن لا تبطل صيام المكتحل، لمجموع الأحاديث التي يقوي بعضها بعضاً، ولأن العين ليست بمنفذ إلى الجوف، وعدى هذا الحكم إلى كل ما يوضع في العين من دواء وقطرة ومراهم ونحوها.
ومع ذلك أفتى البعض بفساد صوم المكتحل وقاس على الكحل كل ما يوضع في العين من قطرة ودهون، إذا وصل إلى الحلق.
ونلاحظ في هذا المقام أن الدموع التي تفرزها الغدة الدمعية لتنظف وترطب قرنية العين تصب في تجويف الأنف عن طريق القناة الدمعية، لذا عندما يبكي الإنسان طويلاً يتمخط كثيراً.
فالرأي - عندي - أن الصائم إذا اكتحل أو وضع في عينه الدهن أو الدواء أو قطر فيها، وأحس بأثر ذلك في أنفه فتمخط، فإن صيامه يكون صحيحاً، أما إذا أحس بأثر ذلك وعيَّنه في مخاطه فاقتلعه بنَفَسه وابتلعه، فإن صيامه يفسد.

الفقه الإسلامي : قد اختلف الفقهاء في حكم الصوم إذا صب الصائم في أذنه ماء أو قطر فيها دواء فما محل النزاع وما الراجح في هذه النازلة؟

الدكتور محمد جبر الألفي : قد تباينت آراء الفقهاء في حكم الصوم إذا صب الصائم في أذنه ماء أو قطر فيها دواء، فمن قال منهم بفساد الصوم أجرى قياس الأذن على الأنف بجامع أن كلاً منهما منفذ، ومن صم عدى الحكم الوارد في حديث لقيط بن صبرة المتقدم، ومن قال منهم بصحة الصوم طبق الأصل المعتمد لديه؛ والقاضي بأن ما أدخل في الأذن لا يفطر إلا أن يصل إلى حلق الصائم.
وبناء على هذا الاختلاف: اختلفت الفتاوى الحديثة، فأفتى البعض بفساد صوم من يصب الماء في أذنه أو يقطر فيها الدواء، وأفتى آخرون بصحة الصوم في هذه الحالة.
ويبدو لنا أن قياس الأذن على العين أولى من قياسها على الأنف؛ ذلك أن الأنف - كالفم - منفذ طبيعي إلى الحلق والجوف، أما الأذن فالأمر فيه مختلف، لوجود الغشاء الطبلي (طبلة الأذن) الذي يفصل الأذن الخارجية عن الأذن الوسطى، وتقف عنده السوائل فلا تنفذ إلى ما وراءه، فإذا أزيل هذا الغشاء الطبلي أو السمعي - وأصيب الإنسان بالصمم - صارت الأذن منفذاً إلى الجوف، لاتصالها بالبلعوم عن طريق قناة استاكيوس، وحينئذ فقط يكون قياس الأذن على الأنف صحيحاً، لاشتراكهما فيما يسمى "البلعوم-أنفي".
فمناط الفتوى - إذن - يرجع إلا سلامة الغشاء السمعي، فإن كان سليماً محكماً لا يسمح بمرور السوائل إلى الأذن الوسطى، فالصوم صحيح، أما إن تمزق لمرض أو حادث، ودخلت السوائل إلى البلعوم- أنفي، فالصوم يبطل. والله أعلم.

الفقه الإسلامي: قد يستدعي فحص المسالك البولية لشخص تقطير مواد سائلة أو ملونة عن طريق مجرى البول، تستقر في المثانة، لتوضح الصور التي تلتقطها الأشعة فهل هذه العلمية تأثر في صومه؟
 
الدكتور محمد جبر الألفي :قد بحث الفقهاء من قديم حكم الصوم مع إدخال مثل هذه السوائل في الإحليل، فرأى البعض أن ذلك يفطر الصائم، ولو لم يصل إلى المثانة قياساً على حكم الحقنة الشرجية، ورأى آخرون أن التقطير في الإحليل لا يفطر الصائم إلا إذا وصل إلى المثانة، لأنه أدخل شيئاً إلى جوفٍ، والرأي الغالب أن الصيام صحيح إذا قطر في إحليله، لأن هناك فرقاً بين الإحليل وبين فتحة الشرج، من حيث ضيق الأول واتساع الثانية. والفتاوى الحديثة: بعضها يكتفي بعرض آراء الفقهاء، ومنها ما يفتي بعدم فساد الصوم "لأننا لا نجد علة واضحة نستطيع بواسطتها أن نحكم على فساده وبطلانه، ثم إن هذه من الأمور التي لم يرد فيها نص عن الشارع".
ونحن مع الرأي الأخير، ونرى علة واضحة لكون الصوم صحيحاً مع التقطير في الإحليل - حتى لو وصل إلى المثانة - وهي أن المثانة عضو طارد، عندما يمتلئ تتمدد ثنيات الطبقة المخاطية به، فتدفع الطبقة العضلية السوائل إلى الخارج.

الفقه الإسلامي:
من النوازل التي يكثر السؤال عنها هي هل استعمال الحقنة الشرجية يبطل الصوم؟

 
الدكتور محمد جبر الألفي : تناول الفقهاء حكم إدخال شيء في دبر الصائم، وخاصة "الحقنة الشرجية" فعند جمهورهم أن استعمالها يفطر الصائم، لأنه أدخل مائعاً إلى جوفه باختياره، وهم يستندون إلى ما رواه البيهقي من أن "الفطر مما دخل"، وقياساً على ما يصل إلى الدماغ، مثل ما ورد في حديث لقيط بن صبرة المتقدم، ولأن ما في الحقنة من مائع دخل إلى الجوف من طريق معتادة، كما لو دخل من الفم أو الأنف، وذهب البعض إلى أن الحقنة الشرجية لا تفسد الصوم، وهو رأي ابن تيمية وابن حزم، لأنها لا تغذي بوجه من الوجوه، بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئاً من المسهلات، كما أنها لا تصل إلى المعدة.وعلى هذا الأساس تنوعت الفتاوى المعاصرة - فيما يتعلق بحكم استعمال الصائم الحقنة الشرجية - إلى ثلاث اتجاهات:
1-  يرى الاتجاه الأول أن الحقنة الشرجية تفسد الصوم، سواء كانت للتداوي أو للتغذي أو لغير ذلك، لأنها تدخل من منفذ طبيعي، وتصل إلى الجوف.
2-  ويرى اتجاه آخر أن الحقنة الشرجية لا تبطل الصوم مطلقاً، لأنها لا تصل إلى المعدة.
3-  أما الاتجاه الثالث فإنه يميز بين الحقنة الشرجية التي تدخل مادة غذائية في الجسم، ويعدها مفسدة للصوم، وبين الحقنة الشرجية التي تحمل مادة ملينة للأمعاء، كالماء والصابون أو الأشياح، وهذه لا تفسد الصوم، لأنها قد لا تمتص، والهدف منها إخراج الفضلات من الجسم.
ونشير إلى أمرين ينبغي الالتفات إليهما قبل الفتوى في موضوع الحقن الشرجية:
1- أن امتصاص المواد المهضومة، يعني عملية مرور المواد الغذائية البسيطة التركيب الناتجة من الهضم، خلال بطانة القناة الهضمية إلى الدم، وليس للمعدة وظيفة تُذكر في عملية الامتصاص، إنما يحدث معظم الامتصاص في الأمعاء الدقيقة، أما الأمعاء الغليظة فإنها تمتص الماء وقليلاً من الأملاح والغلوكوز، وقد تمتص الأدوية المختلفة.
2- من الطرق المتبعة في تغذية المريض إعطاؤه مواد غذائية مهضومة جزئياً عن طريق الشرج، ولو أن القدرة على امتصاصها تكون ضعيفة جداً، لأن دور القولون الأساسي هو الإطراح وليس الامتصاص.
وبناءً على ذلك: فإننا نوصي الصائم بتأخير استعمال الحقنة الشرجية إلى ما بعد الإفطار - احتياطاً للعبادة - سواء كانت تحمل مواد غذائية أو سوائل أخرى، ما دام العلم قد أثبت أن الأمعاء الغليظة لها قدرة على امتصاص السوائل، وأن الأمعاء الدقيقة هي التي يحدث فيها معظم الامتصاص، ولا نظن أن هناك ضرورة ملحة تقضي باستعمال الحقنة الشرجية أثناء فترة الصوم، لا سيما وأن كثيراً من أساتذة الطب ينصحون بعدم إجراء الحقن الشرجية أثناء الصوم، لأنها تسبب ضعفاً في عضلات الأمعاء وغشائها، وتخرش القولون، وتنهك المريض وتستهلك قواه. والله أعلم.
ومما يلحق بالحقنة الشرجية، ما يستعمله البعض مما يسمى بالتحاميل أو اللبوس أو أقماع البواسير أو المراهم، ونحو ذلك مما يستعمل لتخفيف آلام البواسير، أو خفض درجة الحرارة، أو التقليل من مضاعفات الزكام والبرد، عن طريق إدخالها في دبر الصائم.
ويرى بعض المعاصرين أن ذلك يفسد الصوم، بينما يرى آخرون أن لا أثر لذلك على صحة الصوم.
ونحن نميل إلى القول بعدم تأثير هذه المواد على صحة الصوم، لأنها تمتص من مكانها بواسطة شبكة كبيرة من الأوردة الدموية للدم مباشرة، ولا تستغرق هذه العملية وقتاً طويلاً، فهي كامتصاص الجلد الخارجي للماء والدواء والدهون، والله أعلم.

الفقه الإسلامي: فضيلة الدكتور قد تحتاج المرأة إلى إدخال شيء في قبلها، وذلك لمرض يتطلب إدخال مراهم أو أدوية، أو لعمليات التنظيف المهبلي، أو لإجراء فحص عن طريق إدخال أدوات وأجهزة طبية، أو مس المهبل بنترات الفضة، ونحو ذلك فما حكم الشرع في صيامها؟

الدكتور محمد جبر الألفي : قد ذهبت بعض الفتاوى المعاصرة إلى فساد الصوم بذلك، لأن المهبل هو القناة التي تبتدئ بالفتحة المعروفة، وتنتهي بفم الرحم، والسائل الذي يمر بهذه القناة يصل إلى الداخل، فالواجب قضاء ما أفطرته المرأة لهذا السبب.
وذهبت فتاوى أخرى إلى أن كل هذه الممارسات لا تؤثر على الصوم، لأن الصوم لا يفسده إلا ما يصل إلى المعدة، وما ذكر ليس على صورة الطعام والشراب ولا في معناه، وهو لا يصل إلى المعدة محل الطعام والشراب.
ويميز البعض بين الفحص النسائي، ويرى أنه لا يفسد به الصوم، قياساً على إدخال الإصبع في الفم، ولعدم ورود نص في الشرع أو عن الصحابة أو التابعين في مثل هذه الأمور، وبين عمليات التنظيف، ويرى أنها من الأعذار التي تبيح للمرأة الفطر، لأنها تحتاج إلى مخدر، وقد تكون سبباً في نزول الدم.
ونحن نفرق بين ثلاث حالات بالنسبة للمرأة:
1- مخرج البول: وهو يتصل بالمثانة – مثل إحليل الرجل – وهذا يأخذ الحكم الذي سبق أن أعطيناه للإحليل، وهو صحة الصوم مع إدخال شيء في هذا المكان، لما سبق أن قلناه من أن المثانة عضو طارد وليس مستقبلاً.
2- مهبل البكر: ويسده غشاء البكارة، الذي يسمح بخروج دم الحيض، ولا يسهل أن يمر منه شيء إلى الداخل، ونرى أن يأخذ نفس الحكم الذي أثبتناه لما يرِد مخرج البول.
3- مهبل الثيب: وهو عبارة عن قناة عضلية لها فتحة خارجية، وتمتد نحو عنق الرحم، وما يصب فيه يمكن أن يصل إلى أعلى الرحم، ونرى أن الأدوات والأجهزة الطبية التي تدخل فيه تؤدي إلى إفطار الصائمة، لأنها أدخلت إلى مكان مجوف في بدن المرأة، وقد يؤدي ذلك إلى نزول الدم، وكذلك الحكم – بل هو أولى – في حالة ما إذا صب فيه شيء من الماء أو الدواء أو غير ذلك، ونوصي بعدم الفتوى بصحة الصيام في مثل هذه الحالات.

الفقه الإسلامي : من المسائل التي ينبغى معرفة حكمها الشرعي الحقن التي تستعمل للتخدير (كالمورفين ونحوه) وأثر ذلك على الصيام علما بأن أجوبة العلماء تباينت بشأنها فما الجواب الصحيح لهذه النازلة ؟
 
الدكتور محمد جبر الألفي : نعم وبعد عدة لقاءات جمعتني مع أطباء التخدير أقول إنه ينبغي التمييز بين عدة وسائل تتبع لتخدير المرضى :
أولا : التخدير عن طريق الأنف : وفي هذه الحال يشم المريض مادة غازية - كالهواء - تؤثر في أعصابه ، فيحدث التخدير ، فإن كان التخدير موضعيًّا بحيث لا يؤثر على المخ ولا يفقد الصائم وعيه ، فيكون صومه صحيحا ، لطبيعة المادة التي دخلت عن طريق الأنف ، وإن كان التخدير كليا أفقد الصائم وعيه ، بطل الصوم بسبب خروجه عن الوعي ، لا بسبب طبيعة المادة الغازية .
ثانيا : التخدير الجاف : وهو نوع من العلاج الصيني ، يعتمد على إدخال إبر مصمتة جافة إلى مراكز الإحساس تحت الجلد ، فتستحث نوعا معينا من الغدد داخل البدن على إفراز المورفين الطبيعي الذي يحتوي عليه الجسم ، وبذلك يفقد المريض القدرة على الإحساس في الموضع المحدد ، وهذا النوع من التخدير لا يؤثر على صحة الصيام ؛ لأن الغالب فيه القيام بالتخدير الموضعي الذي لا يغطي العقل ، ولأنه لم يدخل معه شيء إلى البدن ، بل حدث تفاعل فيزيائي داخلي أدى إلى هذه النتيجة.
ثالثا : التخدير بالحقن : وفي هذه الطريقة يقوم الطبيب بإدخال مادة سائلة مخدرة يحقنها في موضع معين من بدن الصائم :
أ - فإن كان الحقن في مكان آخر غير الأوردة والشرايين (كالحقن في اللثة أو في العضلة أو في رأس الألية أو نحو ذلك) فلا يفسد الصوم ؛ لأن السائل يصل إلى البدن عن طريق المسام أو الشعيرات ، ولأن التخدير الموضعي يقتصر على المكان المحدد ، دون أن يفقد الصائم الوعي.
ب - أما إذا تمَّ الحقن في الأوردة أو الشرايين بالمادة المخدرة ، فإن الصوم يبطل لسببين؛ أولهما : أن مائعا أدخل إلى البدن من مكان صار منفذًا عرفًا ، والآخر : أن الصائم يفقد الوعي ؛ لأن المادة المخدرة التي صبت في الدم قد توزعت على جميع البدن بواسطة الدورة الدموية ، واتصلت بالمخ ومراكز الإحساس ، وفقدان الوعي سبب لبطلان الصوم, والله أعلم.
 
الفقه الإسلامي: ما حكم صيام من غلبه القيء؟
 
الدكتور محمد جبر الألفي: انفرد الحسن البصري -  في إحدى الروايتين عنه - بالقول إن من ذرعه القيء فقد أفطر ووجب عليه القضاء ، وجمهور أهل العلم من القدامى والمحدثين على أن من غلبه القيء لا يفطر ولا قضاء عليه ، وأن من تعمد القيء يبطل صومه ، لما أخرجه الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من استقاء فعليه القضاء ، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه )). ، ومع ذلك : فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن من تعمد القيء وهو صائم فلا شيء عليه وصيامه صحيح ، لعدم أخذه بالأحاديث الواردة في القيء.
ومعظم الفتاوى الحديثة تعتمد رأي الجمهور ، فتعتبر أن الصائم لا يفطر إذ غلبه القيء وليس عليه قضاء ، وأنه يفطر وعليه القضاء إن تعمد القيء بأية وسيلة (وضع الإصبع في الفم ، شم رائحة تسبب القيء.
 ويفتي البعض بصحة الصوم مع القيء ، سواء غلب القيء الصائم أو تعمد الاستقاءة.
ونحن نميل إلى عدم صحة الصوم إذا تعمد الصائم القيء ، لمجموع الأحاديث والآثار التي يقوي بعضها بعضا ، ولعدم مخالفة رأي الأكثرية من الفقهاء ، ولأن الاستقاءة مظنة رجوع شيء من الخارج إلى الجوف مع التعمد, والله أعلم .
 
 الفقه الإسلامي: هل يقاس على الاستقاءة بعض الأمور المعاصرة مثل استخراج عينة من الصديد أو الافرازات في اللوزتين؟

الدكتور محمد جبر الألفي : نعم يقاس على الاستقاءة إدخال آلة في فم الصائم أو أنفه لاستخراج عينة من الصديد أو الإفرازات في اللوزتين ، أو من البلغم العالق في البلعوم أو الحلق ، أو من المخاط أو إفرازات الجيوب الأنفية ، أو نحو ذلك ، فالأفضل تأخير ذلك إلى وقت الإفطار.

الفقه الإسلامي: تباينت الفتاوى الحديثة في حكم سحب الدم من الصائم لفحصه أو للتبرع به ، فذهب البعض إلى عدم تأثير سحب الدم - قليلًا أو كثيرا - على صحة الصوم ، بينما ذهب البعض الآخر إلى صحة الصوم مع سحب الدم القليل (البرواز) ، وفساده مع سحب الدم الكثير ، قياسا على فساده بالحجامة فما ذا ترجحون في هذه المسألة؟

 
الدكتور محمد جبر الألفي : لا نرى سببا للتفرقة بين القليل والكثير ، كما لا نرى وجها للقياس على الحجامة ، لعدم وجود علة ظاهرة ، خاصة بالنسبة للحاجم , ونرجح عدم تأثيرها وما ألحق بها على صحة الصوم ، وإن سحب الدم يضيق من مجاريه التي يسري فيها الشيطان ، وقد جاء الحديث يحث على تضييق مجاري الدم ، ومع ذلك فإنه يكره إذا أدى إلى الضعف ، ولكن الصوم معه صحيح ، والله أعلم.
 

تعليقات حول الموضوع

الآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع أو مجلس إدارته أو القائمين عليه؛ لذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة في جو من الاحترام كما أنه سيتم حذف أي تعليق يتضمن الآتي:
1- همزا أو لمزا أو هجوما على أشخاص أو جهات معينة.
2- شتما أو نبذا أو استهزاءً أو كلماتٍ غيرَ مهذبة.
3- الخروج عن فكرة الموضوع.

1 - رائع
عبدالرحمن
  -  
11/09/35 11:31:00 ص
استغرب قياس
إدخال آلة في فم الصائم أو أنفه لاستخراج عينة من الصديد أو الإفرازات في اللوزتين ، أو من البلغم العالق في البلعوم أو الحلق ، أو من المخاط أو إفرازات الجيوب الأنفية ،
على الاستقاء
كيف يقاس الطعام المستقر على الافرازات
كيف يقاس ما يخرج من المعده من الطعام الذي ادخله الانسان باختياره غالبا
على الصديد والافرازات التي ليس باختياره
أبلغ عن إساءة
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
 اسمك
عنوان التعليق
التعليق  
أدخل الكود
جميع الحقوق محفوظة لموقع الفقه الإسلامي 2008 م
تصميم وتطوير أيزوتك لاستشارات نظم الجودة وتكنولوجيا المعلومات