|
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبعد:
هذه خاتمة للبحث تشتمل : استخلاصا ، واستنتاجا ،وتوصية ، وبيان ذلك الآتي:
أولا : الاستخلاص :
أما الاستخلاص فغايته لمُّ شتات البحث بذكر خلاصته ، وخلاصة هذا البحث الذي موضوعه دراسة التورق كما تجريه المصارف ، هي :
أنه أشتمل على مبحثين :
الأول : " الدراسة التصويرية " وغايتها بيان التورق المصرفي من جهة كونه معاملة مصرفية ، وقد تبين به :
1. أن التورق المصرفي عمل من أعمال "التمويل " ـ الذي هو مظهر من مظاهر تبعية البنوك الإسلامية للفلسفة الرأسمالية الربوية ـ والتي تراعي فيها المصارف :
أ ـ انخفاض المخاطرة .
ب ـ سرعة وسهولة التنفيذ .
ج ـ سرعة العائد " الربح " وهو ما يسمى بالاستثمار قصير الأجل .
2. أن التورق المصرفي : متاجرة بالدين .
3. وطريقه : تحصيل السيولة للأفراد ، والمؤسسات من خلال شراء سلع ثم بيعها ، للحصول على ثمنها .
4. أنه يتم في السوق الدولية ، ويعتمد على القبض الحكمي في مرحلة البيع التي طرفاها البنك ، والبائع الأجنبي ، كما لا يوجد قبض ، ولا تعيين في مرحلة البيع التي طرفاها البنك والمشتري " المتورق " .
5. أن البنك " البائع " ينوب عن المشتري " العميل " في بيع السلعة في السوق الدولية على طرف آخر غير من اشتريت منه السلعة أولا .
6. أن مايقوم به البنك من بيع ، وشراء في السوق الدولية قد تقدمه اتفاق يحدد الإجراءات ، والأحكام التي ينبغي أن يخضع لها عقد البيع عند وجوده .
7. أن ما يقوم به البنك من بيع في السوق الدولية يكتنفه شيء من الغموض ، لكنه لا يخرج عن واحد من الفروض الثلاثة المذكورة في مبحث التخريج .
والثاني : " الدراسة الفقهية " وغايتها بيان حكم هذه المعاملة ، وما يستند إليه الحكم من أدلة ، واعتبارات ، وقد تبين به :
1. أن تخريج التورق المصرفي مختلف باختلاف التطبيق ، والممارسة فإن قصد البيع ، وما يترتب عليه من امتلاك السلعة ، وقبضها ، ونحوه وكان بيعها على غير من اشتراها منه ، أو ثالث قد تواطأ معه ، فالمعاملة تورق صحيح . يتردد حكمه عند الفقهاء بين الجواز بلا كراهة ، والجواز مع الكراهة .
وكل ما ظهر من العميل عزوف عن مقتضيات عقد البيع من امتلاك السلعة ، وقبضها ، ونحوه ، كان ذلك دالا على الحيلة في البيع ، مما يقترب بالمسألة من العينة حسب الفروض المذكورة في مبحث التخريج .
2. أن التورق المصرفي تكتنفه إشكالات منها : ما يتعلق بالمعاملة مباشرة .
ومنها ما يتعلق بمآلاتها ، وبناء على تقررها ، أو دفعها ، يتقرر الحكم .
ثانيا : الاستنتاج :
أما الاستنتاج فغايته ذكر أهم ما يستنتج من البحث ، ومنه :
1. إن التورق المصرفي في البنوك الإسلامية ، يمثل رجوع القهقرى ، إذ تراجعت من خلاله عن أهدافها ، وسياستها ، التي كانت تنتقد بموجبها المرابحة للآمر بالشراء وتعتبرها حلا مؤقتا حتى يشتد عود البنك الإسلامي .
قلت : وقد بلغ البنك الإسلامي الثلاثين من عمره ، أو جاوزها ، فإذا لم يشتد عوده ، فمتي يشتد ؟ ، وبأي شيء يشتد ؟!
2. أن البنوك توجه أموالا طائلة في التمويل من خلال التورق المصرفي ، فبعضها يخصص له ما يفوق الخمسة ملايين دولار يوميا ، وبعضها يخصص له ما يفوق العشرة ملايين دولار يوميا ـ فهي المستفيدة من هذه المعاملة ـ فكيف لو وجهت هذه الأموال الطائلة للاستثمار والتنمية ؟ !
3. إن مبدأ " التيسير " و " القبض الحكمي " هما خير مطية للتورق المصرفي المنظم ، وغيره مما يناسب فلسفة البنوك الربوية " التمويل " فتحاذر التجارة ، وتحاذر تحويل السيولة إلى سلع ، ومنتجات ، وتتذرع إلى ذلك بهذين المبدأين .
ثالثا : التوصية :
وأما التوصية : فغايتها الوصية بما يراه الباحث بإزاء ما تعلق ببحثه من مشاكل وقضايا ، ومن ذلك :
الوصية الأولى : بشأن التورق المصرفي المنظم .
أوصي بمنع التورق المصرفي المنظم ، لما يلي :
أ ـ لما فيه من مخالفة وتجاوز .
ب ـ لما فيه من متاجرة بالدين ، والاستهلاك وتسويق ، وترويج لهما ، وإغراء بهما من خلال الدعاية .
ج ـ لما فيه من تهجير المال ، لتستفيد منه السوق الدولية ،وتحرم منه السوق الداخلية .
د ـ ولأنه غير متعين لتحقيق أمثل ما يناط به من غاية ، منها :
أن يكون بديلا عن القرض الربوي ، لكل من البنك ، والعميل .
أن يكون موردا من موارد البنك ، في الاستثمار قصير الأجل .
فكل ذلك متحقق في المرابحة ، فهي خير منه ـ على ما في تطبيقاتها من مخالفة ينبغي تسديدها .
الوصية الثانية : بشأن التمويل :
أوصي بتوجيه البنوك الإسلامية إلى العدول عن سياسة " التمويل " التي غايتها المتاجرة بالدين ، وهي أساس كل خطيئة تقع فيها ، واستبدالها بما هو خير وهي :
" سياسة الاستثمار " ليستبدل الدين بالاستثمار ، فيحل عقد السلم محل التمويل في مسألة تمويل المزارع ، ويحل عقد الاستصناع محل التمويل في مسألة تمويل المصانع ، كما تحل المشاركة ، والمضاربة ، ونحوها محل القروض التمويلية ، إن كانت في صورة التورق المصرفي المنظم ، أو في صورة المرابحة للآمر بالشراء .
الوصية الثالثة : بشأن مقاصد الشريعة :
أوصي بتطبيق " مقاصد الشريعة " وما يتفرع عنها بفقه يوافق مقاصد الشريعة ، ويؤمن معه تفويت مقاصد الشريعة ، أو ضرب بعضها ببعض ، ومثال ذلك فيما نحن فيه :
مبدأ " التيسير " ، و" القبض الحكمي " فينبغي تطبيقهما بفقه رشيد على النحو المذكور .
الوصية الرابعة : بشأن التسمية :
إن لم يؤخذ بوصية منع التورق المصرفي المنظم ، فإن أوصي بتغيير اسمه ليكون " التمويل المصرفي المنظم " ، لكيلا يُلبَّس على الناس فيه ، فإن المعاملة لا تنضبط تورقا مطلقا .
هذا والحمد لله أولاً وآخرًا ، ظاهرًا وباطناُ ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد ، وآله ، وصحبه .
|