|
من القضايا التى أثارت جدلاً فى النطاق الفقهى والتشريعى والمجتمعى قضية زرع أو نقل أعضاء الإنسان, وقد ترك هذا الجدل وذلك الخلاف أثره على التعامل مع المشكلة حتى استفحلت واستباحت المقدس, وبرزت على السطح باعتبارها من القضايا الملحة التى ينبغى معالجتها والتصدى لمحترفى ارتكابها.. ومما زاد من حدة المشكلة امتداد تداعياتها السيئة حين تغول مافيا هذه التجارة إلى الأطفال؛ خاصة أطفال الشوارع الذين وجدوا فيهم ضالتهم المنشودة بجعل أجسادهم وأعضائهم قطع غيار بشرية يتكسبون من ورائها الكثير والكثير، وتركت هذه الممارسات الشريرة ظلالاً قاتمة على مجمل الحياة المصرية؛ بل والعربية, وهو ما يشهد عليه حالة الضياع الذى تحياه هذه الفئة من المجتمع نتيجة ذلك، ومدى البؤس والشقاء الذى تعانى منه، وهو ما أفرز العديد من المآسى الاجتماعية, حتى شغلت القضية الأذهان وأصبحت تتداول فى قاعات المحاكم بغية القصاص من لصوص البشر الذين لم يتورعوا عن أن يمرغوا القيم الأصيلة المستوحاة من الإسلام فى التراب فى سبيل الإثراء على حساب شرف الإنسان والحط من شأنه بالمخالفة لكل قيم الأديان ومكانة الإنسان خليفة الله- تعالى- وسيد هذا الكون, وهو ما يجعل مسلكهم مؤثمًا لاقترافهم جريمة كبرى ضد الدين والإنسانية إلى الحد الذى يدرجها ضمن جريمة الحرابة, مما يستدعى الإسراع بالتدخل التشريعى المقنن لعمليات النقل ووقف تداعياتها المدمرة على المجتمع بأكمله.
وربما يعزى سبب ذلك إلى ضعف الوازع الدينى فى تفشى جرائم الخطف والإتجار فى الإنسان، وغياب التقنين المنظم لعمليات زرع ونقل الأعضاء، وعدم تحقيق وتفعيل الضمانات التشريعية المكفولة فى الشريعة للجسم البشرى منذ بدء تكوينه فى بطن أمه التى تحرم الاعتداء عليه بأى صورة، والاعتراف بالشخصية المستقلة للجنين، وتوصيف ذلك على أنه جريمة إجهاض وفرض عقوبة على هذا الجرم ضد الطفولة فى مراحلها المبكرة, وليس المقصود بحث حكم هذا الجانب من الموضوع, فقط أردنا أن نشير إلى الآثار السلبية لعدم تقنين زرع ونقل الأعضاء.
أما على جانب إجراء العمليات الطبية والجراحية بغرض نقل وزرع الأعضاء البشرية, فالكثير منها يتم عن طريق حرام وغير مشروع، والواقع أن إصدار حكم على زرع ونقل الأعضاء يقتضى توصيف القضية بأبعادها التى تجرى بها، ويتطلب بيان طبيعة النقل ودور الناقل والمنقول منه والعضو أو الأعضاء المراد زرعها, فى ظل ما وصلت إليه العملية من التقنية والتطور فى إجراء عمليات النقل التى لم تكن معروفة فى العصر الإسلامى الأول بكل ما أفرزه العصر الحديث من تقنية وتطور، وما وصل إليه التقدم الطبى المعاصر من استحداث وسائل علاجية تحاكى الفطرة الإلهية وتسير على منوالها باعتبار دقة الصنعة وطلاقة القدرة الربانية؛ ونظرًا للتحول الذى طرأ على تفكير الفرد، وسعيه إلى الاستفادة بالمنجزات الطبية الحديثة فى العلاج وحب الحياة والتعلق بمتاعها, بالنظر إلى ما أسفرت عنه الطفرة الهائلة فى المجال الطبى بما أتاحته للإنسان من طرق للعلاج والاستشفاء لم تكن معروفة من قبل، وربما لم يكن يتخيلها العقل حتى وقت قريب.
ويمكن القول- على هدى ذلك- أن القضية حادثة غير نمطية ولا تقليدية, ومن ثم فهى ليست من الأمور التى يحكمها نصوص قطعية؛ وإنما هى قضية- برمتها- اجتهادية مصلحية، تقبل التعددية فى الرأى، والتباين فى الحكم, ويتأسس الرأى فى القضية على حرمة جسد الإنسان، وكرامة الآدمى، وخروج جسم الإنسان عن دائرة التعامل, وفى المقابل رعاية مصلحة الإنسان وإجازة العلاج والتداوى لإنقاذ حياته.
وفى هذا السياق، فإن البحث فى الموضوع يدور حول النقاط الآتية:
1. مفهوم زرع الأعضاء.
2. حكم التداوى بالدم.
3. حكم تشريح الجسد البشرى.
4. الحكم الفقهى لزرع الأعضاء الآدمية.
5. نقل الأعضاء من شخص على قيد الحياة إلى شخص مريض محتاج لذلك.
6. نقل الأعضاء من شخص ميت إلى شخص مريض بحاجة إليها.
وذلك ببيان الرأى الشرعى وتقديم الحلول الفقهية فى القضية المطروحة.
مفهوم زرع الأعضاء:
يقصد به: نقل عضو آدمى من جسد إنسان إلى آخر، باستخدام الأصول الطبية بغرض العلاج والاستشفاء.
ومرد ذلك إلى أن الضرورة أو الحاجة قد تقتضى هذا النقل لإنقاذ شخص مريض أو مصاب فى حادثة أو كارثة، وما كان على شاكلة ذلك وشبيهه، مع وجود استعداد لدى شخص سليم يقبل هذا النقل ويرضى به, ويلاحظ أن النقل والزرع مصطلحان مترادفان فى هذا الخصوص قد يغنى ذكر أحدهما عن الآخر, وقد أصبحا عنوانين على هذه العملية.
وثمة قواعد شرعية تشكل الإطار الحاكم للموضوع نورد البعض منها:
فى جانب الحظر:
- عصمة النفس البشرية.
- حرمة جسد الإنسان.
- كرامة الآدمى.
- عدم قابلية الجسد أو الأعضاء البشرية للتعامل المالى.
فى جانب الإباحة:
- مشروعية التداوى والعلاج.
- حفظ النفس البشرية "حق الحياة".
- الضرورات تبيح المحظورات.
- الأمور بمقاصدها.
- الضرورة تقدر بقدرها.
- الإيثار، على سند من قاعدة: "كل ما ثبت للإنسان حق التصرف فيه، كان له حق الإيثار به".
- تحقيق أعلى المصلحتين وارتكاب أخف الضررين.
وتجدر الإشارة إلى أن التعامل فى الأعضاء الآدمية كطريقة للتداوى هو المجال الذى نبحث عن مدى شرعيته؛ إنما يكون بشأن التبرع بأحد هذه الأعضاء لكفالة حياة إنسان آخر؛ تكريمًا وتقديرًا للأخوة الإنسانية وإيثارالمتبرع لغيره بهذا العمل؛ حفاظًا على حياته؛ وإنقاذًا له، وهو ما قد يجد سنده.
وعلى هدى ذلك نعرض للرأى فى مدى مشروعية زراعة الأعضاء, ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى حكم مجمع عليه فى الشريعة الإسلامية يبين تشديد الشريعة على وجوب حماية الجسم البشرى من التلاعب به, بما يؤكد على منحى الإسلام فى إعلاء كرامة الإنسان وحرصه البالغ على مكافحة الإتجار فى الأعضاء البشرية إعلاء وانتصارًا لإنسانية الإنسان.
|